محمد أبو زهرة

1963

زهرة التفاسير

اختارها الله تعالى من البشر ، لتكون حجة الله تعالى إلى يوم القيامة : فقال عزّ من قائل : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ . هذا النص مربوط في المعنى بقوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ . . . ( 153 ) [ النساء ] . وقد قالوا غير ذلك في آية أخرى فأنكروا الرسالة الإلهية جملة من بعد موسى ، وقالوا : . . . ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . . . ( 91 ) [ الأنعام ] مبالغة في إنكار رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي هذه الآيات وما إليها بيان بوحي الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مثل بقية الرسل ، فما كان بدعا من الرسل ، بل هو في تلقى رسالة الله كسائر الرسل . ولذا قال تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ والوحي في الأصل الإعلام الخفي ، والإشارة والإيماء ، والإلهام ، وغير ذلك من المعاني التي تدل على أنه إعلام خاص ، لا يكون بطريق الإعلام الظاهر ، وقد قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ( 51 ) [ الشورى ] فالوحي على هذا نوع من خطاب الله تعالى لرسله ويقابله الكلام من وراء حجاب ، وإرسال ملك من الملائكة بالخطاب . والوحي هنا يعم الأنواع الثلاثة من كلام الله تعالى لرسله ، كما يدل السياق على ذلك . والكلام سيق لبيان المشابهة والمشاكلة بين وحى الله تعالى لنبيه الكريم الذي هو آخر لبنة في صرح النبوة والرسائل الإلهية ، وبين الوحي للرسل السابقين ، وقد أكد سبحانه وتعالى المشابهة بنسبة الإيحاء إليه ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ، وب « إن » المؤكدة ، فقال : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . وقد ابتدأ سبحانه وتعالى بذكر نوح - عليه السلام - ، لأنه الأب الثاني للخليقة ، ولأنه أول نبي معروف في القرآن بعد أبي البشر ، ولأن في ذكره معنى